فخر الدين الرازي

80

المطالب العالية من العلم الإلهي

الأوقات ، إلا أنه قد يحصل التساوي بينهما في القوة في بعض أوقات ، فإن من سمع صوت إنسان ، فإنه يعلم بالضرورة حضور ذلك الإنسان ، ويكون هذا العلم مساويا في القوة للعلم بأن الواحد نصف الاثنين . سلمنا حصول التفاوت مطلقا ولكن لا نسلم أن ذلك التفاوت عائد إلى التصديق ، بل هو عائد إلى التصور وبيانه : وهو أن التصديق يتوقف على تصور طرفي القضية ، وتصور أن قولنا : الواحد نصف الاثنين : تصورات جلية غنية عن التعريف [ لأنه ليس فيها إلا تصور الواحد والاثنين والنصف ، وهذه التصورات جلية غنية عن التعريف ] « 1 » بخلاف قولنا : الممكن يفتقر إلى المؤثر ، فإن هذا التصديق يتوقف على تصور ماهية الممكن وعلى تصور ماهية الافتقار ، وعلى تصور [ ماهية ] « 2 » المؤثر ، وهذه الأمور الثلاثة تصوراتها تصورات غامضة خفية ، فالتفاوت الحاصل في عقول الخلق من هذين الحكمين ، إنما وقع بسبب حصول التفاوت بين تصوراتها ، فأما أن يقال ؛ إن ذلك التفاوت وقع في نفس تلك التصديقات ، فهذا ممنوع . فما الدليل عليه ؟ سلمنا حصول التفاوت بين التصديقات . فلم قلتم : إنه لما كان أحد التصديقين أقوى من الثاني لزم كون التصديق المرجوح ظنيا ، ويمتنع كونه يقينيا ، وما الدليل على أن الأمر كذلك ؟ والجواب : - أما قوله : « لا نسلم وقوع التفاوت بين حكمنا بأن الواحد نصف الاثنين وبين حكمنا بأن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلّا لمرجح » . فنقول : هذا التفاوت معلوم ببديهية العقل ، فإنكاره إنكار للبديهي ، ولو جاز لكم أن تصروا على هذا الإنكار ، على سبيل المكابرة ، جاز لغيركم أيضا أن يقول : إني لا أجد من نفسي ، جزم العقل بأن المحدث ، لا بدّ له من محدث . وبالجملة : فالأصل المعتبر في الفرق بين البديهيات وبين غيرها : ما يجده

--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) من ( س ) .